عرس الزين - الطيب صالح
ﻋﺮﺱ ﺍﻟﺰﻳﻦ
ﺍﻟﻄﻴﺐ ﺻﺎﻟﺢ
ﻳﻮﻟﺪ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻓﻴﺴﺘﻘﺒﻠﻮﻥ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﺎﻟﺼﺮﻳﺦ، ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ . ﻭﻟﻜﻦ ﻳﺮﻭﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﺰﻳﻦ، ﻭﺍﻟﻌﻬﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﻪ ﻭﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻼﺋﻲ ﺣﻀﺮﺕ ﻭﻻﺩﺗﻬﺎ، ﺃﻭﻝ ﻣﺎ ﻣﺲ ﺍﻷﺭﺽ، ﺍﻧﻔﺠﺮ ﺿﺎﺣﻜﺎً . ﻭﻇﻞ ﻫﻜﺬﺍ ﻃﻮﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ . ﻛﺒﺮ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻓﻤﻪ ﻏﻴﺮ ﺳﻨﺘﻴﻦ، ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﻓﻜﻪ ﺍﻷﻋﻠﻰ، ﻭﺍﻷﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﻓﻜﻪ ﺍﻷﺳﻔﻞ، ﻭﺃﻣﻪ ﺗﻘﻮﻝ ﺇﻥ ﻓﻤﻪ ﻛﺎﻥ ﻣﻠﻴﺌﺎً ﺑﺄﺳﻨﺎﻥ ﺑﻴﻀﺎﺀ ﻛﺎﻟﻠﺆﻟﺆ . ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﺫﻫﺒﺖ ﺑﻪ ﻳﻮﻣﺎً ﻟﺰﻳﺎﺭﺓ ﻗﺮﻳﺒﺎﺕ ﻟﻬﺎ، ﻓﻤﺮﺍ ﻋﻨﺪ ﻣﻐﻴﺐ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻋﻠﻰ ﺧﺮﺍﺑﺔ ﻳﺸﺎﻉ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺴﻜﻮﻧﺔ . ﻭﻓﺠﺄﺓ ﺗﺴﻤﺮ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻭﺃﺧﺬ ﻳﺮﺗﺠﻒ ﻛﻤﻦ ﺑﻪ ﺣﻤﻰ، ﺛﻢ ﺻﺮﺥ . ﻭﺑﻌﺪﻫﺎ ﻟﺰﻡ ﺍﻟﻔﺮﺍﺵ ﺃﻳﺎﻣﺎً . ﻭﻟﻤﺎ ﻗﺎﻡ ﻣﻦ ﻣﺮﺿﻪ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﺳﻨﺎﻧﻪ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻗﺪ ﺳﻘﻄﺖ، ﺇﻻ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﻓﻜﻪ ﺍﻷﻋﻠﻰ، ﻭﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﻓﻜﻪ ﺍﻷﺳﻔﻞ .
ﻛﺎﻥ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﻣﺴﺘﻄﻴﻼً، ﻧﺎﺷﺊ ﻋﻈﺎﻡ ﺍﻟﻮﺟﻨﺘﻴﻦ ﻭﺍﻟﻔﻜﻴﻦ ﻭﺗﺤﺖ ﺍﻟﻌﻴﻨﻴﻦ . ﺟﺒﻬﺘﻪ ﺑﺎﺭﺩﺓ ﻣﺴﺘﺪﻳﺮﺓ، ﻋﻴﻨﺎﻩ ﺻﻐﻴﺮﺗﺎﻥ ﻣﺤﻤﺮﺗﺎﻥ ﺩﺍﺋﻤﺎً، ﻣﺤﺠﺮﺍﻫﻤﺎ ﻏﺎﺋﺮﺍﻥ ﻣﺜﻞ ﻛﻬﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻪ . ﻭﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻪ ﺷﻌﺮ ﺇﻃﻼﻗﺎً . ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻟﻪ ﺣﻮﺍﺟﺐ ﻭﻻ ﺃﺟﻔﺎﻥ، ﻭﻗﺪ ﺑﻠﻎ ﻣﺒﻠﻎ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻟﻪ ﻟﺤﻴﺔ ﺃﻭ ﺷﺎﺭﺏ . ﺗﺤﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺭﻗﺒﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ . ( ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻟﻘﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻃﻠﻘﻬﺎ ﺍﻟﺼﺒﻴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺰﻳﻦ " ﺍﻟﺰﺭﺍﻓﺔ .(" ﻭﺍﻟﺮﻗﺒﺔ ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﻔﻴﻦ ﻗﻮﻳﺘﻴﻦ ﺗﻨﻬﺪ ﻷﻥ ﻋﻠﻰ ﺑﻘﻴﺔ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﻲ ﺷﻜﻞ ﻣﺜﻠﺚ، ﺍﻟﺬﺭﺍﻋﺎﻥ ﻃﻮﻳﻠﺘﺎﻥ ﻛﺬﺭﺍﻋﻲ ﺍﻟﻘﺮﺩ ... ﻭﺍﻟﺴﺎﻗﺎﻥ ﺭﻗﻴﻘﺎﻥ ﻃﻮﻳﻠﺘﺎﻥ ﻛﺴﺎﻗﻲ ﺍﻟﻜﺮﻛﻲ . ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﺪﻣﺎﻥ ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺘﺎ ﻣﻔﺮﻃﺤﺘﻴﻦ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﻧﺪﻭﺏ ﻗﺪﻳﻤﺔ ﻭﺍﻟﺰﻳﻦ ﻳﺬﻛﺮ ﻗﺼﺔ ﻛﻞ ﺟﺮﺡ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺮﻭﺡ ... ﻳﺤﻜﻲ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﻗﺼﺘﻪ ﻓﻴﻘﻮﻝ : " ﺍﻟﺠﺮﺡ ﺩﺍ ﻳﺎ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻟﻴﻪ ﺣﻜﺎﻳﺔ " ﻭﻳﺴﺘﻔﺰﻩ ﻣﺤﺠﻮﺏ ﻗﺎﺋﻼً : " ﺣﻜﺎﻳﺔ ﺷﻨﻮ ﻳﺎ ﻋﺪﻳﺮ؟ ﻳﺎ ﻣﺸﻴﺖ ﺗﺴﺮﻕ ﺿﺮﺑﻮﻙ ﺑﻲ ﻏﺼﻦ ﺷﻮﻙ ." ﻭﻳﻘﻊ ﻫﺬﺍ ﻣﻮﻗﻌﺎً ﺣﺴﻨﺎً ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺰﻳﻦ، ﻓﻴﺴﺘﻠﻘﻲ ﻋﻠﻰ ﻗﻔﺎﻩ ﺿﺎﺣﻜﺎً، ﺛﻢ ﻳﻀﺮﺏ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﻴﺪﻳﻪ ﻭﻳﺮﻓﻊ ﺭﺟﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﻳﻈﻞ ﻳﻀﺤﻚ ﺑﻄﺮﻳﻘﺘﻪ ﺍﻟﻔﺬﺓ، ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻀﺤﻚ ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺸﺒﻪ ﻧﻬﻴﻖ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ . ﻭﻛﺎﻥ ﺿﺤﻜﺔ ﻗﺪ ﺃﻋﺪﻯ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﻳﻦ ﺟﻤﻴﻌﺎً، ﻓﻴﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﺇﻟﻰ ﻗﻬﻘﻬﺔ ﻣﺮﻭﻳﺔ .
ﻭﻳﺘﻤﺎﻟﻚ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﻧﻔﺴﻪ، ﻭﻳﻤﺴﺢ ﺑﻜﻢ ﺛﻮﺑﻪ ﺍﻟﺪﻣﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺤﻚ، ﻭﻳﻘﻮﻝ : ﺃﻱ ... ﺃﻱ ... ﻣﺸﻴﺖ ﺃﺳﺮﻕ ." ﻳﺄﺧﺬﻙ ﺍﻟﻄﻴﺐ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﺇﻟﻰ ﻋﻮﺍﻟﻢ ﺗﺰﺧﺮ ﺑﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﺗﻀﺤﻜﻚ ﺣﻴﻨﺎً ﺗﺒﻜﻴﻚ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً، ﻭﺗﺰﺭﻉ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻚ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺴﺤﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﺑﺮﺍﻋﺔ ﺍﻟﻄﻴﺐ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺳﺮﻳﻌﺎً ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺎﺣﺔ ﺍﺣﺴﺎﺳﺎﺕ ﻗﺎﺭﺋﻪ . ﻭﺻﻔﻴﺎﺕ ﻭﺳﺮﺩﻳﺎﺕ ﻭﻋﺎﻟﻢ ﻫﻮ ﺭﻫﻦ ﻣﺸﻬﺪ ﺍﻟﻘﺎﺭﺉ ﻭﻭﺍﻗﻌﻪ ﺗﺘﻴﺢ ﺍﻟﺘﻌﺮﻑ ﺇﻟﻰ ﺇﺑﺪﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﻄﻴﺐ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺭ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﻴﺔ
للتحميل اضغط